إبداع الملك المجذوم
مملكة الجنة، إدوارد نورتون، الملك بلدوين
ليس من السهل أن يعجبك فيلم ما و تشاهده مرارا و تكرارا و لا تمل منه، ربما يرجع هذا إلى أداء ممثليه أو إلى حبكة الفيلم أو المؤثرات البصرية و الصوتية.لكن من الصعب جدا أن يبهرك ممثل ما لأدائه شخصية لم يستغرق ظهوروها على الشاشة سوى ربع الساعة فحسب من فيلم مدته تزيد على الساعتين و النصف.
إنني ها هنا أتحدث عن العبقري إدوارد نورتون الذي أدى دور الملك بلدوين في فيلم مملكة الجنة، لم يظهر إدوارد بوجهه أبدا ضمن أحداث الفيلم و لم يتم وضع اسمه ضمن طاقم العمل أيضا، كان يرتدي قناعا حديديا و حُلة معدنية لكي يواري مرضه الجذام الذي شوه وجهه و جسده.
الشخصية بالغة الصعوبة و التعقيد حيث إنه يستلزم عليه أن يعرض كل الانفعالات و الأداء التمثيلي بعينيه و صوته فقط، و قلما استخدم جسده كاملا في مشاهده القليلة في الفيلم.
لم يستطع إدوارد نورتون أن يؤدي الدور ببراعة فقط بل كان استثنائيا بشكل لا يمكن وصفه، لم يؤدِ أحد من قبل دور رجل يحتضر بهذه الصورة كان مرعبا على حد قول النقاد عنه في أدائه لهذه الشخصية.
كل مشاهده في الفيلم مميزة، لكن تعد أصعبها ثلاثة مشاهد، أولها المشهد الذي كان يفاوض فيه غسان مسعود الذي قام بدور صلاح الدين فقبل المفاوضة كانا ينظران لبعضهما، كانت نظرة إدوارد لغسان فيها ذل و انكسار و رجاء و ادعاء للكبرياء و تعبير عن أقصى حالات المرض، كل هذا عبر عنه في نظرة واحدة لم تستغرق حتى ربع الدقيقة على الشاشة.
ثانيها المشهد الذي دخل فيه على رينولد الحصن كان يترنح من كثرة المرض و مع ذلك يمشي بقوة الملوك و كان صوته يعبر عن بذله لمجهود يفوق قدرته على الاحتمال ثم يقوم بضربه بمنتهى القوة رغم ضعفه الواضح و بعد ذلك يسقط على الأرض مرغما إلا إنه يضع يده على الأرض كي لا يسقط على وجهه أمام شعبه.
 |
| الصورة الوحيدة المنشورة إعلاميا للممثل إدوارد نورتون بملابس شخصية الملك بلدوين بدون قناعه الحديدي |
ثالثها المشهد الذي يحتضر فيه، بعد أن يخبر شقيقته أن تتذكره كما كان قبل أنت يتشوّه، يلفظ أنفاسه الأخيرة فقط بعينيه، لا أعرف كيف أدى هذا المشهد إنه كان يحتضر فقط بعينيه.
هو الوحيد في الفيلم الذي اجتمعت عليه الآراء، و كلما رأيت مشاهده في الفيلم أشعر بالانبهار لإمكانيات هذا الممثل، و سيظل هذا الدور من أفضل ــ إن لم يكن الأفضل على الإطلاق ــ الأدوار التي تصور شخصا يحتضر.