عندما وُلد عبد الحليم ماتت أمه فور ولادته و لحق بها أبوه قبل أن يقترب حتى عمره من السنة الواحدة.
أرضعته نساء قريتهم حتى أصبح أخاً لمعظم أبناء القرية في الرضاعة نعرف كلنا عادات أطفال الفلاحين في النزول إلى الترعة للاستحمام فيها و لذلك قد أُصيب عبد الحليم بمرض الديدان الشريطية (البلهارسيا). كان عدم اهتمام عبد الحليم بمداواة نفسه و انتظامه في الذهاب إلى الوحدة الصحية و خوفه من الحقنة الكبيرة أثراً كبيراً في تفاقم حالته فقد أخذت الديدان تسري في بدنه و تتكاثر حتى لم يعد يمكن العلاج منها فقد ظهرت على مر السنين عدد من الأمراض الأخرى الناتجة عن هذا الإهمال في العلاج و هو صغير.
أحب في فترة الشباب الأولى فتاة في قريته سماها علية على اسم شقيقته لكن فقره و بناءه لمستقبله وقف مانعاً أمامه ليتمم هذا الارتباط و لذلك عندما تقدم لها عريس أخبرها عبد الحليم أنه لا يستطيع أن يقف مانعاً أمام مستقبلها و حياتها و بالفعل تزوجت هذه المرأة و بعد شهرة عبد الحليم و في إحدى حفلاته وجدها جالسة تنظر إليه و تذكرها هو و أخذ يغني لها وحدها شارداً عن باقي الموجودين في الحفل.
بعد نهاية الحفل وجدها قادمة إليه و قالت له أنها تريد أن تعرّفه بأطفالها و صافحهم عبد الحليم و هو يبكي في داخله فقد كان من الممكن أن يكون هؤلاء أطفاله لو تم الأمر فيما مضى.
لم يكن هناك حب في حياة عبد الحليم كحبه لليلى و ليلى هذا هو الاسم الذي اختاره عندما تحدث عن حبيبته تلك المرأة التي لم يحب امرأة أخرى كما أحبها هي تعرف عليها في الاسكندرية كانت من إحدى أصدقاء أصدقائه كانت فتاة من عائلة ثرية و كعادة هذه العائلات في تلك الفترة تزوجت فور وصولها لسن البلوغ من إحدى أصدقاء عائلتها أنجبت منه أطفالاً لكن زادت المشاكل بينهما و لم تعد تتحمله فطلبت الطلاق.
الحب غريب عندما يدق باب القلب لا يسأل عن ما يصح و مالا يصح فبرغم كل هذا وجد عبد الحليم نفسه يحب هذه المرأة التي تعرف عليها في أواخر الخمسينات و وجدت هي نفسها تحبه برغم مشاكلها في طلب الطلاق و حضانة أطفالها و الشكل الاجتماعي الذي يمنع ذلك الحب.
حاول عبد الحليم و حاولت هي أن يبتعدا عن بعضهما إلا أنهما لم يستطيعا ذلك غنى لها "بتلوموني ليه" كان يخاطب الناس و يخاطبها بأحاسيسه الدفينة التي تمنعهما الظروف من الإفصاح عنها لكل الناس.
وافق الزوج على الطلاق أخيراً أخذ عبد الحليم يعد بيتاً للزوجية يكون مناسباً لهما و لأطفالها سعى في الإعداد للزواج رغم تحذير الأطباء و رفضهم لأن يتزوج في هذه الفترة نظراً للأمراض الـتي في جسمه فقد استأصل جزءا من معدته و البنكرياس و الطحال و الكبد كانت أحماض جسمه تأكل فيه فترة بعد فترة إلا أن أمله في العلاج و ممارسة حياته الطبيعية كانت عوناً له دائماً.
و حدث ما لم يكن في الحسبان فالمنطقي من كل ما يوجد في عبد الحليم أن يُصاب هو بالمنية و لكن ماذا يوجد في حياتنا يتبع العقل و المنطق دائماً أُصيبت ليلى بمرض السرطان القاتل هاجم خلايا مخها بلا رحمة كانت تقول لعبد الحليم عن شعورها بأنها لن تعيش طويلاً و قبل سفرها للعلاج قالت له "لو كان بإيدي كنت أفضل جنبك" انتظر عبد الحليم عودتها إلا أنها لم تعد،
عرف أنها قد ماتت أخذ عبد الحليم جملتها التي سمعها منها و بنى عليها أغنيته الشهيرة "في يوم في شهر في سنة" كان يبكي عليها و هو يغني و قد قام أيضاً بعمل قصتهما معاً في فيلمه الشهير "حكاية حب" و أدى هو شخصيتها و شخصيته في هذا الفيلم و حكاية مرضها و مرضه إلا أن الفيلم قد اختتم باجتماع الحبيبين معاً و في الحقيقة لم يتم هذا.
بعد وفاة ليلى لم يستطع الحب أن يطرق باب قلب عبد الحليم بنفس هذه الصورة كانت هي دوماً في مخيلته و أحلامه.
ظهرت عدة شائعات عن زواج في السر و علاقات غرامية إلا أن قلب عبد الحليم كان ملكاً لإنسانة أخرى إنسانة لم تعد من عالم الأحياء.
كان مرضه أيضاً يستفحل خطوة بعد خطوة و كان تحذير الأطباء له مستمراً عرف سعاد حسني وقف بجانبها في بداية طريقها من الممكن أنها أحيت عنده بعض العواطف التي ماتت مع ليلى و دُفنت معها إلا أنها لم تصل أبداً إلى نفس درجة حبه لليلى.
نمت الشائعة بعد وفاة العندليب بمدة طويلة شائعة زواجه بسعاد إلا أنني أتساءل كيف تزوج اثنان من المشاهير لعدة سنوات ــ كما يُقال ــ و لم يعرف أحد بهذا الارتباط أبداً.
كانت علاقات الفنانين الخاصة مكشوفة على الدوام فقد عرف الناس عن زواج و علاقات الفنانين في تلك الفترة فكيف إذن استطاع عبد الحليم و سعاد إخفاء علاقتهما و زواجهما طيلة هذه الفترة اللهمّ إلا أن كانا يرتديان طاقية الإخفاء.
أضيف إلى ذلك أيضاً عدم استطاعة عبد الحليم الزواج نظراً لتنبيهات الأطباء و استفحال المرض في جسده.
في أواخر حياته عرف من أطبائه أن آلامه ستنتهي رفض إجراء عملية زراعة الكبد لأن ذلك سيكون من نتائجه التأثير على ذاكرته و هو مطرب و ممثل و لا يستطيع العيش بذاكرة ضعيفة.
كان يريد الزواج طلب منه الأطباء تأجيل ذلك فترة من الوقت لأن العملية التي سيقوم به ستنهي آلامه و تقيأه المستمر للدم و العمليات الجراحية الـتي تترك آثارها في جسمه من فتحة مِبضع و خياطة جُرح و عدم تناوله لما يشتهيه من ألوان الطعام.
و قبل سفره أعطى صديقه و محاميه و وكيل أعماله عبد المجيد العمروسي الشهير بمجدي وصيته كان يشعر بأنه لن يعود بكى مجدي و أخبره بأنه سيعود كما يفعل كل مرة فلماذا هذه المرة التي كتب فيها وصيته وكتبت الصحف و المجلات و تناقلت وسائل الإعلام المختلفة عن سفر عبد الحليم للعلاج و استفز هذا الكثيرين فقد كانت من وجهة نظرهم أن مرض عبد الحليم ليس له أهمية لتتناقله وسائل الإعلام بهذا الشكل.
و قد كان هذا بسبب أن هناك أحد الصحفيين قد كتب أن عبد الحليم يتمارض لكي يصنع حول نفسه هالة و يأخذ اهتمام الناس و حكام الدول و أخفى الجميع هذا المقال عنه إلا أنه استطاع أن يتحصل عليه و شعر في نفسه بالأسى من هذا الكلام و طلب من زوجة محمد عبد الوهـاب ــ و التي كانت مرافقة له في رحلته العلاجية ــ أن تلتقط له صوراً و هو على فراش المرض فبكت السيدة و قالت له أنها لا تستطيع فعل ذلك فطلب من ممرض موجودة في المستشفى ذلك و أرسل هذه الصور للجرائد و وسائل الإعلام حتى ينبأهم بالحقيقة و أنه لا يتمارض.
كان الصحفيان الشهيران أحمد بهجت و نعم الباز في زيارة لإحدى الدول لتغطية بعض الأخبار و كانا في إحدى جلساتهما يقرآن بعض الصحف و المجلات و رأيا أخبار عبد الحليم و مرضه و صوره فتضايقا من هذا الأمر و أخذ كل منهم يتكلم عن عبد الحليم و مرضه بضيق و تغطية وسائل الإعلام له و في اليوم التالي كانا يستعدان للعودة إلى مصر و كانا يشتريان بعض الهدايا للأهل و الأصدقاء و أثناء دخولها لإحدى المحلات كانت توجد فيه بائع مصرية و قالت لها: "يا بختك حتلحقي الجنازة"ردت نعم في دهشة: "جنازة مين ؟" "عبد الحليم حافظ قالو دلوقت في bbc إنـّـه مات في المستشفى في لندن"
عجزت المرأة عن النطق كان بهجت موجوداً في محل في الجهة المقابلة خرجت تجري و الدموع في عينيها إلى الشارع و رأت بهجت مقبلاً نحوها و أخبرها أنه قد سمع الخبر من مذياع كان في المحل و تذكرا كيف كانا يتحدثان عنه بغيظ في الأمس و عما قالاه عنه تحدثا و هما لم يعرفا بعد كيف مات ؟
دعونا نسترجع معاً هذا؛ كان عبد الحليم في غرفته في المساء كان ينتظر العملية التي ستنهي آلامه إلى الأبد لقد كان شديد التشاؤم هذه المرة لأنه نسي أن يكتب الآية القرآنية التي تعود أن يكتبها على حائط غرفته قبل قيامه برحلاته العلاجية: "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد".
و عند زيارته لكنيسة العذراء انزلقت قدمه على السلم و قبل دخوله الفحص الطبي سقط المصحف الخاص به و الذي كان يضعه بجانبه دائما و قد وجده د.روجرز الطبيب المعالج له ساقطا على الأرض فرفعه و سأله "ده المصحف ؟"رد عبد الحليم "أيوه" "تسمح لي أحتفظ بيه ؟" "أنا حاكون سعيد جدا لو احتفظت بيه".
و في رقدته هذه في جوف الليل شعر بآلام فظيعة في معدته امتدت إلى كل جسمه تفجرت الدماء منه كله كانت أوعيته الدموية قد انفجرت بداخله رن جرس الإنذار ليأتي أحد و ينقذه دخلت الممرض و وجدت الغرفة ملأى بالدماء ذهبت بأقصى سرعتها للأطباء أحضروا المنظار لكي ينفخوا به أوعيته الدموية حتى يتوقف النزيف أدخلوا إبرة المنظار بتعجل فانقطع حلقه صرخ الطبيب الأجنبي "ابلع Mr.Hafez" كررها لكن الروح قد ذهبت لبارئها و نصف المنظار بداخله.
كان قد أوصى عبد الحليم أهله و أصدقاءه أنه لو مات يُنقل جثمانه في طائرة مصرية كان يتمنى أن يموت في مصر و لكن "وما تدري نفس ماذا تكسب غداً و ما تدري نفس بأي أرض تموت".
رحم الله عبد الحليم و غفر له ذنوبه و جعلنا نتعظ منه بأن الشهرة و النجاح لا يعوضان أبداً فقدان المرء لصحته و عدم استطاعته لفعل ما تشتهيه نفسه من ملذات الحياة التي منحها الله لنا.
و يجب أن نعلم بأن الله لا يظلم امرءاً و أنه إذا أخذ منه شيئا فإنه يعوضه بشئ آخر إن لم يكن في هذه الدنيا فسيكون في الآخرة إن شاء هو نعم المولى و نعم النصير.