لا تكن جزرة



"يا سلام يا أبو حميد أما فكرة !"

قلت لنفسي هذه العبارة حينما تفتق ذهني عن الفكرة الجديدة للحلقة و التي سأحاول بها أن أخرج عن المألوف و أفاجئ القراء، سأجعل الحلقة رمزية أو بمعنى أصح أقوم بعمل إسقاط و سأطرح هذا على الناس و أستفسر منهم:




"فهمتوا إيه من اللي مكتوب ؟ خدوا بالكم يا جماعة اللي مكتوب مالوش علاقة باللي باقصده، اللي حيقدم لي الحل الصحيح و ليه سميت الحلقة بالاسم ده له جايزة".

أخذت أفكر في الجائزة لكني لم أعرف ما الذي سأمنحه للفائز، كنت أشعر بالغرور في نفسي:

"ما حدش حيعرف الحل و أوفر تمن الجايزة أكيد أنا أصلا لما باحب أعقدها ما حدش بيفهم"

بدأت في كتابة الحلقة بالفعل و راجعتها كعادتي أكثر من مرة قبل أن أنشرها لكن في هذه المرة كنت أبحث عن أي شيء يقود للحل و أقوم بحذفه حتى لا يتوصل إليه أحد على الإطلاق.


************************************************

بعد أن نشرت الحلقة شعرت بالإحباط،

"يظهر كده الحلقة ما عجبتش الناس كالعادة، إلا ما فيه غير واحدة بس يا مؤمن هي اللي حاولت تعرف الحل و راسلتني، و مين كمان يا ولاد ؟ أميرة !"

لم تصبر أميرة حتى أكتب حل الحلقة و سألتني بعصبيتها المعهودة:

"اخلص يا أحمد حتقول و لا لأ، أنا شاغلة نفسي ليه أصلا ! مش عايزه أعرف منك حاجة".

تذكرت ساعتها عبارة: "اهدي يا منار" فاضطررت لشرح الحل لأميرة، - عشان بصراحة باخاف منها -.

على أية حال كان ما قلته لها ليس منظما أو منسقا و لهذا فقد أخبرتها بأنني سأكتب الحل في مقال منفصل و حينما فكرت أكثر رأيت أن يكون جزء من السلسلة حتى يعلم من يقرؤونها و لا يعرفون أنها رمزية حقيقتها و حقيقة ما أقصده منها.

"يا عم بطل أم اللك بتاعك ده و خلصنا" أستطيع سماع هذا من أحد القراء الذي ينتظر الحل.


************************************************

 

قبل أن أكتب لكم الحل دعوني أولا أشرح لكم معنى الإسقاط الرمزي في عالم الأدب بشكل بسيط - والنبي ما حد من المثقفين ييجي يقول لي ما فيش حاجة اسمها كده، أنا مش باشرح للناس أدب، أنا باحاول أفهمهم بعبارات بسيطة -.

عندما أرغب في الحديث عن أمر ما و لا أرغب في أن يتعرف الناس على حقيقته بشكل قطعي فإنني أكتبه بشكل رمزي - بمعنى إني أكتب حكاية تانية خالصة و أقعد أسقّط من الحكاية الأصلية بعض التفاصيل من غير ما أذكر الحكاية الأصلية من قريب أو بعيد -.

لكن بعض الحكايات التي تعتمد على هذا الأسلوب تكون واضحة للغاية المقصود منها و ستتذكرون بعض ما قمتم بقراءته من قبل أو ما شاهدتموه من أعمال تمثيلية و التي تستطيعون أن تفهموا منها ببساطة الأشخاص المقصودين و الحكاية الأصلية.

و هذا لم أقم أنا باستخدامه، صراحة بسبب نجاح السلسلة و متابعة الناس لها بدأت أحاول من خلالها أن أظهر أسلوبي الكتابي و الأدبي و ربما لو كنت كتبت هذا في مقال أو قصة قصيرة مستقلة ما قرأها أحد، على الرغم من أنني كتبت بعض الخواطر و الحكايات أثناء كتابتي للسلسلة و نجحت في جعل القراء يقرؤونها و تحوز على إعجابهم لكن اللعب في المضمون هو الأفضل.

و لهذا فقد عمدت إلى نوع أكثر صعوبة في استخدام الإسقاط الرمزي و هو دسه في حكاية مخالفة تماما لما أريد أن أتحدث عنه - عشان كمان ما ارحش في داهية و حتعرفوا ده ليه بعد شوية -.


************************************************

 

و هذه الطريقة في الكتابة تعتمد على استخدام بعض المواقف التي حدثت في الحكاية الأصلية و جعلها تتواءم مع الحكاية التي أقوم بكتابتها و لذلك من المتوقع أن تقول في بعض الأحيان "لأ ده ما حصلش في الحكاية الأصلية" مثلما قالت لي مرمر حينما أخبرتها بالحل.

و بعد أن شرحت ما قمت بفعله سأقوم بإخباركم لماذا أسميت الحلقة بهذا الاسم، "نظرية الجزرة"؛

حينما يكون هناك شخص قد وضعته بعض الظروف في مواقف معينة، يبرر لنفسه ارتكاب الأخطاء بحجة أنه مجبر على فعل هذا، تماما حينما تقوم بوضع الجزرة في إناء به سكر فيصبح طعمها حلوا، أو تضعها في إناء به ملح فيصبح طعمها حريفا - حريف في اللغة يعني حادق عشان ما تقعدوش تفكروا - و على هذا فإن الإنسان يبرر لنفسه ما يقوم بفعله بحجة أن الظروف هي ما وضعته في هذا الأمر و لا يستطيع التصرف حيال هذا.

"بس أنت مش جزرة يا روح أمك أنت بني آدم، أنت الوحيد اللي تقدر تتمرد على الظروف و تتصرف صح أو تتصرف غلط، بإيدك إنك تقهر كل الظروف لإن ربنا عطالك كل المقومات فمتقعدش تبرر لنفسك و تكابر".

هذا الأمر يحدث حولنا؛ إنسان تضعه ظروفه في موقع معين فتكثر غلطاته في تصرفاته؛ يقوم بخداع الناس و إخبارهم بأمور خاطئة و قد يعدهم في بعض الأحيان بوعود كاذبة أيضا و الأفظع من هذا أن يستغل من وثقوا فيه و ائتمنوه على أنفسهم.


************************************************

 

و في حكاية الحلقة (راجع الحلقة السابعة نظرية الجزرة) كان أحمد - اللي هو أنا يعني - قد أقنع نفسه بأنه يجب أن يتصرف بهذه الطريقة لأن الظروف قد وضعته في هذا الموقف و برر لنفسه أن يخبر راندا بما ليس موجودا في نفسه حقيقة و قام باستغلال آلاء التي وثقت فيه وائتمنته على نفسها.

كان يرغب أحمد - أيوه أنا خلاص بقى - في أن يحصل على خيرات راندا بدون وجه حق و يجعل الجميع يقتنعون أنه يستحق هذا بالفعل و أنهم هم من دفعوه إلى هذا الأمر و مهدوا له الطريق - المتمثلة في الحكاية بآلاء -.

و مما قاله لراندا من كلمات: "أنتي مش عارفة يا راندا أنتي بالنسبة لي إيه !" كي تقتنع راندا بما يقوله و تصدقه، كان من الممكن أن يستخدم أحمد - والله لو حد علق حابطحه - عبارات أخرى متمثلة في العينين على سبيل المثال.

لكن الحقيقة دوما هي التي تتضح مهما كانت الظروف و مهما دام الكذب لن يستمر و لن يصدقه الآخرون طوال الوقت فمصير الشخص الكاذب هو الفشل، الفشل في الاحتفاظ بما كان يصبو إليه، و الفشل أيضا في استمرار إقناعه للناس بما يخالف هذه الحقيقة.

و لذلك يجب أن يعلم أي إنسان أن الظروف لا تبرر له ارتكاب الأخطاء و لا تبرر له استغلال الآخرين و منحهم أقاويل كاذبة و لذلك نصيحتي لنفسي قبل كل من يقرأ:

"لا تكن جزرة حينما يتم وضعك في بيئة تتغير على أساسها، بل كن إنسانا تستطيع أنت أن تقوم بتغيير البيئة و جعلها صالحة، و هذا الصلاح سيأتي من نفسك و ليس بما أنت موضوع فيه أو يحيط بك".


سأكون حُلُماً من أحلامي

إرسال تعليق

حقوق النشر © شعاع من الماضي جميع الحقوق محفوظة
x