لا أعرف لماذا فكرت في أن أعود إلى المكان الذي وُلدت فيه، كانت تتملكني رغبة شديدة في رؤية شقتي القديمة و مدرستَيّ الابتدائية و الإعدادية و المدرسة التي عملت فيها أمي، كنت أرغب في أن أسير في الشوارع القديمة و أمر بجوار الأماكن التي اعتدت الذهاب إليها؛ لعلني أجد شيئا فقدته هناك، شيئا يساعدني على أن أمضي في حياتي إن كانت لا يزال فيها بقية.
تغيرت الشوارع كثيرا؛ لم تكن ملأى بالمحلات و المطاعم و البيوت مثل الآن، عرفت المبنى الذي توجد فيه شقتي بالكاد، نظرت بالداخل فوجدت الدَرَج مهدما إلى حد كبير، تم تعديل أبواب الشقق منذ عدة سنوات، المبنى يكاد يكون مهجورا، حينما صعدت لأعلى كي أقف أمام شقتي القديمة، لم أجد أحدا يمنعني، كنت سأظن أنها خاوية، إلا من الملابس المنشورة على الحبال، حزنت لهذا، لا يوجد شيء كما كان عليه قديما.
غادرت المبنى، كان في أيام طفولتي شارع طويل يقع أمامه مباشرة يقود إلى مدرستي الابتدائية، لم يعد له وجود، كذلك الساحات الواسعة التي كانت تحيط به امتلأت بالمباني الجديدة، و اقتلعت الأشجار التي كانت توجد في نهايته، اضطررت لأن أدور حوله حتى أستطيع أن أذهب إلى مكان المدرسة، توقفت ثم ألقيت عليها نظرات طويلة، حتى أن أحد الأشخاص قد بدأ القلق يتسرب بداخله، لاحظته، ثم بدأت التحرك من جديد.
الشارع الذي يقود إلى مدرسة أمي لم يتغير كثيرا، المدرسة نفسها كانت على نفس حالها منذ آخر مرة رأيتها فيها، غادرتها ثم ذهبت إلى المحل الذي كانت أسرتي تشتري منه البقالة، كان على نفس حاله بنفس اسمه لم يتغير، أتذكر أن شقيقي الأصغر كان يطلق على أي محل مواد غذائية اسم "المستيري"، مثل إطلاق اسم أريال على أي مسحوق غسيل أو اسم بيبسي على أي مشروب غازي.
لم تكن ذكرياتي في منطقة سكني سعيدة، توقفت عندما لاحت هذه العبارة بعقلي، الواقع إنني لا أمتلك أي ذكرى سعيدة، حتى حينما يحدث أمر يُدخل الفرح إلى قلبي، لا يلبث أن يتحول في النهاية إلى شيء يؤلمني و إلى ذكرى أتمنى أن أمحوها من حياتي إن استطعت.
كنت أتمنى أن أذهب إلى أماكن أخرى اعتدت الذهاب إليها حينما كنت طفلا، لكن المكان كان غريبا عليّ، لم يكن نفسه، لا أرى وجوها اعتدت عليها و أعرفها، ربما كان أحد هؤلاء الرجال أو النساء زميلا قديما لي في المدرسة، لن يعرف أحدنا الآخر بعد أن أنستنا السنون ملامحنا، ربما كانت الملامح أيضا تغيرت و تبدلت، كما تبدل كل شيء آخر.
هل تغيرت أنا أيضا ؟ حدثت لي الكثير من الأمور في حياتي التي دفعتني لاختيار بعض الأشياء و القيام ببعض التصرفات البعيدة عن شخصيتي، منها ما ندمت على حدوثه، و طالبت الله - و لازلت - بأن يغفرها لي.
شعوري بالوحدة يتنامى، لا أستطيع أن أجد أحدا يهتم لأمري حقيقة و يسألني عما يؤلمني، عما أرجوه من الله أن يغفره لي، لا أجد من يرفع يده و يمسح بأنامله على وجهي، أشعر بأن كل من في حياتي يلطمني بهذه اليد التي يرفعها عليّ.
أعلم أن هذه الأحاسيس مبالغ فيها إلى حد كبير، لكن الدعم الذي يمنحه الآخرون لك، ليس من الضروري أن يكون هو ما ترغب فيه و تريده.
مع اقتراب يوم مولدي، شعرت بالرغبة في العودة إلى نفسي من جديد، مهما كلفني الأمر من آلام و رؤية من لا أحب و التواجد من جديد في أماكن حدثت لي فيها أمور سيئة، شعرت بأنه ما دمت لا أستطيع أن أجد شيئا حُلوا، أن أكمل المرارة، ربما تغير الحال، و ربما فقط اعتدت عليه.