لم يقرأ أحد مقالي النقدي الأخير، حتى المخرج الذي تحدثت عنه، لم يهتم بالقراءة و إن كان قد قرأ فلم يعلق أو يبدي رأيه فيما كتبته عنه و عن أعماله.
لا أنكر أنني قد شعرت بالغضب الشديد جراء هذا الأمر، حتى إنني قد بت أتذكر كل ما يمر في حياتي من عراقيل و إحباطات، روايتي التي لم أنجح في نشرها، الوظيفة التي لازلت أبحث عنها و عمري قد اقترب من منتصف الثلاثينات، فشلي في الارتباط و في اختيار من أسلمها مشاعري و أحاسيسي، حتى تعاملاتي مع أسرتي التي أحاول الحفاظ على ما تبقى منها.
لا أنكر أنني قد تملكني اليأس و أصبحت أنظر لكل من ساهم في إحباطي و إلقاء المشاعر السيئة بداخلي، لكني أتراجع عن ذلك بين الوقت و الآخر و أنظر إلى بصيص من نور الأمل الذي يأتي من بعيد.
و حينما شاهدت فيلم أكمل للمخرج طارق نور، استرجعت كل هذه المشاعر؛ فهذا الشاب يرغب في تمضية طريقه حتى النهاية و لا يجد من أقرب المقربين إليه، سوى ما يجعله يتراجع و يتوقف، لكنه يأبى ذلك حتى يصل إلى نهاية طريقه.
كما استطاع طارق نور أن يعبر من خلال فيلمه مزيكا، عن أن الإنسان قد يتمنى حال غيره و لا يعلم أن حاله أفضل منه بكثير؛ فلو انعكست الأمور، سيندم على أنه قد نظر للآخر و تمنى أن يحل محله؛ فليس كل ما يظهر للآخر يعني السعادة المطلقة؛ فقد يفتقر من يحقد عليه لشيء يملكه هذا الآخر، لكنه لا يعلم قيمته الآن.
ماذا لو امتلكت حبوبا تمنحني كل المشاعر التي أحتاج إليها ؟ أستطيع أن أمنحها لشخص أحبه و أرغب فيه، لكنه لا يبادلني مشاعري، أستطيع أن أمنح لنفسي تصريحا بالخيانة دون أن أشعر بالذنب، أستطيع أن أمنح نفسي لحظات من السعادة التي أفتقر إليها ؟ قد يتمنى الكثيرون هذا، لكن هل هذا يعني أن الإنسانية و المشاعر و الأحاسيس يمكن أن تكون مرضية بمجرد جرعة يتناولها الشخص ؟ فكرة طارق نور في فيلمه جرعة عبقرية و قد ذكرتني كثيرا برواية يوسف السباعي الشهيرة أرض النفاق مع اختلاف تفاصيلهما.
و يستمر طارق نور في أفكاره الخاصة بالإنسانية التي أصبحت في عصرنا الحديث عبارة عن نقرات على الأجهزة، التي قد تمنحنا كثيرا مما نريد، لكنها تحرمنا من أشياء أكثر مما نتخيل، و قد عبر عن ذلك ببراعة في فيلمه فقاقيع.
ليس كل من يمنحك وردة يحبك؛ فقد تكون مجرد شخص عابر في حياته أراد فقط أن يقوم باستغلال مشاعرك و أحاسيسك، لكن هل نظرت أنت إلى نفسك و عرفت إن كنت قد استغليته كما استغلك أم لا ؟ الوردة في النهاية ستصبح ملقاة تدوسها الأقدام، حتى مع محاولة المشاعر البريئة في إنقاذها، قد لا تستطيع لأنها قد أتت بعد فوات الأوان، عبر طارق نور عن هذا في فيلمه روز الذي لا أدري لماذا أطلق عليه التسمية الإنكليزية، كما لم أحب في الفيلم فكرة عدم وجود أصوات غير موسيقى تصويرية في بداية الفيلم، لم أفهم هنا فكرة المخرج في هذا الأمر، لكنها قللت من قيمة الفيلم كثيرا من وجهة نظري.
الموسيقى التصويرية في أفلام طارق نور لم أحبها، لا أعني أنها سيئة، لكني لم أشعر أنها متسقة مع الأفلام و كأنها دخيلة عليها، كنت أفضل أن يتحدث الممثلون و لا سيما في فيلمه الأخير.
بعد مشاهدتي لأفلام طارق نور، شعرت بأن اسمه يدل كثيرا على مضمون أفكاره؛ فهو يحاول إضاءة أفكارنا و مشاعرنا من خلال أفلامه، ربما تتغير كثير من أفكارك أنت، أو تتفق معه حينما تراها.
سأكون حُلُماً من أحلامي
تعليقان (2)
صالح القرنشاوي
17 أكتوبر 2018 في 3:56 م
كل ميسر لما خلق له .وكل إتسان أوجده الله في هذه الحياة التى نحياها لغرص أراده الله وإلا كان وجودنا عبثا والله منزه عن ذلك " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وإنكم إلينا لا ترجعون "